لماذا استثنى مرسوم العفو الأخير مخالفات البناء!

استثنى مرسوم العفو الرئاسي رقم 13 الصادر مطلع أيار 2021، مخالفات البناء من أحكامه، ما شكّل صدمة للمحكومين بموجب المرسوم 40 لعام 2012 الناظم لعقوبات مخالفات البناء.

هدم بناء مُخالف. المصدر سانا.

المرسوم اعفى عن 13 نوعاً من الجرائم الجنائية؛ فأسقط ثلث العقوبة عن جرائم التهريب الجمركي والاتجار بالمخدرات، وأسقط ثلثي العقوبة عن جرائم إتلاف الوثائق والسجلات، وتزوير السجلات الرسمية والوكالات، وأسقط كامل العقوبة عن بعض الجرائم المنصوص عليها في قوانين محكمة الإرهاب. في المقابل، لم يشمل مرسوم العفو جرائم مخالفات البناء، مصنّفاً إياها مع جرائم التجسس، والخيانة، والصلات غير المشروعة مع العدو، وسفاح القربى، ونهب الأملاك العامة، والتعامل مع إسرائيل، والانتماء إلى الإخوان المسلمين.

مرسوم العفو 13\2021 نصّ صراحة على عدم سريان العفو عن الجرائم المنصوص عليها في المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012 وتعديلاته.

وبحسب المرسوم 40\2012، تتم المحاكمة أمام القضاء الجزائي، بحسب التوصيف الجرمي لمخالفة البناء؛ إذ تعتبر جنحة فيما إذا شملت إحدى مخالفات البناء غير القابلة للتسوية، وتكون جناية إذا حصل انهيار كلي أو جزئي في البناء. فإذا كانت الجريمة من نوع الجنحة تنظر بها محكمة بداية الجزاء وإذا كانت جناية تنظر فيها محكمة الجنايات وفق الأصول القانونية المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112 لعام 1950. 

وحدد المرسوم 40\2012 الإجراءات الواجبة بحق كل من مرتكب (صاحب) مخالفة البناء، وبحق العُمّال منفذي المخالفة، وبحق الجهة الإدارية المقصرة بقمع المخالفة. ويشمل ذلك هدم المخالفة وإزالتها وترحيل ركامها على نفقة صاحبها، وفرض غرامة مالية على كل من مرتكب المخالفة، والعمال المنفذين، وموظفي الوحدات الإدارية المقصرين بقمعها.

وكذلك، شمل المرسوم عقوبة السجن لصاحب المخالفة، والجهة المنفذة والجهة الإدارية المقصرة، ضمن ثلاثة شرائح، تبعاً لطبيعة المخالفة: من ثلاثة أشهر إلى سنة، لأي مخالفة حدثت في الأملاك العامة أو الخاصة. ومن سنة إلى ثلاث سنوات، في حال انتهاك شروط المتانة أو مواصفات الترخيص أو إضافة طوابق. والسجن لمدة لا تقل عن عشر سنوات، في حال انهيار المبنى المخالف، والتسبب بوفاة ما، مع مضاعفة الغرامة.

القانون 40/2012 أتاح إمكانية تسوية بعض المخالفات بشروط: إثبات أن وقوعها كان قبل تاريخ صدوره، وألا تكون كتلة البناء مشوهة للمنظر العام، وأن تكون كتلة البناء سليمة ومترابطة انشائياً، وتسديد الغرامة المفروضة، وأن يتم تقديم تقرير فني معتمد من نقابة المهندسين يثبت تحمل البناء لحمولات الطوابق المطلوب ترخيصها وفق نظام ضابطة البناء. كما سمح القانون 40/2012، بتسوية مخالفات البناء المتجاوزة على الوجائب العمرانية المسموحة. كما أجاز القانون تسوية مخالفات مناطق السكن العشوائي على أن يتم تأهيلها وتسوية أوضاع الملكيات القائمة عليها، وإدخالها في المخطط التنظيمي بعد استيفاء الرسوم.

وبالتزامن مع عدم تشميل مرسوم العفو للجرائم والجنح المرتبطة بالمرسوم 40\2012، صدرت أوامر مشددة من معظم المحافظات السورية، في الأسابيع القلية الماضية، بعدم التساهل مع مخالفات البناء التي يمكن أن تحث خلال أيام العطل الرسمية. وشددت الوحدات الإدارية، على تنفيذ أحكام المرسوم 40، وعدم التساهل مع المخالفات خاصة في الأراضي الزراعية. وشهدت محافظة ريف دمشق هدم العديد من مخالفات البناء في مناطق دوما وداريا والمليحة وقطنا وجرمانا.

وعادة ما شملت مراسيم العفو السابقة الجنح في مخالفات البناء، بحيث يتم العفو عن عقوبات السجن فقط وتبقى الغرامات والحقوق الشخصية. إلا أن مرسوم العفو الأخير استثنى جميع مخالفات البناء، بكل أشكالها. ويعود ذلك إلى وجود توجه حكومي بالتشديد على مرتكبي مخالفات البناء بسبب ما وصفته بعض المواقع الاعلامية الموالية بـ"الضرر الواسع" الذي تتسبب به هذه المخالفات، وسط إشارات إلى وجود متابعة "رئاسية" لهذا الملف تحديداً.

 مصدر مطلع على سوق العقارات في دمشق، قال لسيريا ريبورت، إن التوجه الحكومي الحالي يُركّز على منع المخالفات بغرض تكريس احتكار الدولة ومؤسساتها الرسمية لسوق العقارات، وضمان منع وصول الاسمنت المنتج محلياً إلى السوق السوداء وتهريبه عبر الحدود وبالتالي ضبط سعره في السوق المحلية. المصدر أكد أن أهم ما يمكن قراءته من عدم العفو عن مرتكبي مخالفات البناء، هو الرسالة الحكومية الواضحة بعدم التساهل مع هذا النوع من المخالفات، والتشدد في قمعها، وعدم التسامح مع مرتكبيها مع مرور الزمن، ما سيشكّلُ رادعاً فعلياً للمخالفين.