سين جيم: المناطق السكنية غير الرسمية وتعقيدات ملكية المنازل في مشهد ما بعد الحرب

لطالما كانت المناطق السكنية المبنية بشكل غير رسمي أو العشوائيات، مشكلة قانونية معقدة في سوريا، وسط عقود من النمو السكاني والهجرة الجماعية من الريف إلى مدن لا تتوافر فيها مساكن مناسبة لاستيعاب القادمين الجدد.وقد زادت الحرب تعقيد الأمور. إذ تم تدمير العديد من هذه الأحياء على مدار حقبة الصراع، عادة عبر قصف النظام. وبالنسبة للسكان السابقين الذين لم تتم تسوية منازلهم بالأرض، يعد إثبات ملكية المنازل التي تم تشييدها بشكل غير قانوني عملية شاقة.

يقول أنور مجني، القاضي السابق الذي يعمل الآن مستشاراً قانونياً لدى منظمة المناصرة السورية اليوم التالي: "كانت قضية معقدة حتى قبل النزاع وكان حلها صعباً". ستقوم المنظمة قريباً بإصدار تقرير حول قضايا الإسكان والأرض والملكية في سوريا، بما في ذلك مناطق السكن العشوائي.

تحدثت سيريا ريبورت مع مجني عن كيفية ظهور هذه المناطق وكيف لم تلعب الدولة السورية دور المتفرج وحسب.

قُبيل الحرب، كيف كانت مناطق السكن العشوائي؟ وما أنواع الناس الذين كانوا يعيشون فيها؟ وما الوضع القانوني للملكية والبناء؟

قبل بدء الصراع في سوريا كان النظام يتجاهل عمداً مسألة العشوائيات. وهكذا، كانت هذه الأحياء غير الرسمية تنمو واستمرت في النمو حتى اندلاع الثورة. وتسارعت وتيرة نمو العشوائيات بعد الثورة، إذ سمح النظام للموالين له باستغلال الفرصة لزيادة بناء العشوائيات كنوع من المكافأة لهم.ويعد السبب الرئيسي لذلك، والذي نناقشه في الدراسة، أن العشوائيات لم يبنيها بالضرورة من يسكنها. بدلاً من ذلك، يُشار إلى من بناها باسم "تجار" المخالفات [المباني التي تنتهك قوانين البناء]. ولدى هؤلاء التجار، الذين يبنون العشوائيات، صلات بالسلطات التي تغض الطرف عن تلك الانتهاكات لقانون البناء، ويساهم هذا الفساد في نمو العشوائيات.بالطبع نجد العيش في العشوائيات أرخص من السكن الشرعي، لهذا السبب، لجأ كثير من الناس إلى العشوائيات. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن بإمكان السكن القانوني استيعاب النمو السكاني، وسط حركة الهجرة من الريف إلى المدينة. ما سبّب ضغطاً على مراكز المدن الكبرى، ولا سيما دمشق وحلب. ولم يتوفر بناء قانوني لاستيعاب هذا النمو. لهذا السبب يتجه الناس، ولا سيما ذوو الدخل المحدود، إلى شراء عقارات في مناطق السكن العشوائي.ولم تعالج السلطات القانونية أو الهيئات الإدارية المحلية هذا الأمر. على سبيل المثال، نرى الأرض مسجلة كأرض زراعية، بينما تحتوي في الواقع على مبانٍ تؤوي عشرات العائلات. ومع ذلك، لا تزال الممتلكات مسجلة كأراض زراعية.لذلك نجد اختلافات بين الوضع الرسمي المدرج في السجل العقاري والوضع الفعلي للممتلكات، والتي تغيرت من أرض زراعية إلى عقار مبني يؤوي عشرات أو حتى مئات العائلات. ورغم كل ذلك، لم تُبذل أي جهود لحل المشاكل، سواء عبر التشريعات أو الإجراءات التنفيذية. وتجاهل النظام عمداً هذه القضية.

هل يمكنك شرح المزيد عن كيفية "تجاهل النظام عمداً" لنمو مناطق السكن العشوائي؟

لم تكن هناك رغبة لدى الدولة السورية للعمل على حل هذه القضية. بُنيت 50٪ من المساكن في مدن مثل دمشق وحلب بشكل غير رسمي، ولم تفعل الدولة شيئاً. وصدر قرار في اجتماع اللجنة المركزية لحزب البعث عام 1982 ينص على تقديم خدمات المرافق الأساسية للعشوائيات من كهرباء ومياه وصرف صحي رغم غياب هذا السكن من السجل العقاري. وكان ذلك شكلاً من أشكال الاعتراف بوجود المشكلة دون محاولة حلها فعلياً.

كما ذكرنا في التقرير، كانت الهجرة من الريف إلى المدينة من أسباب انتشار السكن العشوائي [على مدى العقود العديدة الماضية]. حيث كانت التنمية في الريف أضعف من التنمية في المدن، ولم تتوفر فرص عمل. وقد تسبب ذلك في زيادة رغبة الناس في الانتقال إلى المدن ما أدّى إلى الهجرة الداخلية.  ولم يتخذ النظام طوال تلك الفترة أي إجراءات حقيقية لمعالجة المشكلة. وانتهى الأمر بمن قاموا بهذه الهجرة إلى العيش في العشوائيات.وبينما كانت العديد من هذه الأحياء قيد البناء، لم نر الحكومة تتخذ أي إجراءات، رغم أن القانون يحظر ذلك. كانت لدى الحكومة رغبة بحدوث هذا البناء.

بعد اندلاع الحرب، كيف استخدم النظام المساكن العشوائية لصالحه في المناطق التي استعادها من المعارضة؟

تكمن المشكلة في أن قوانين العقارات التي صدرت منذ اندلاع النزاع لا تأخذ هذا الحدث في الحسبان.

على سبيل المثال، حين صدر القانون رقم 10 عام 2018، أو القانون رقم 23 عام 2015، وقبل ذلك، المرسوم رقم 66 لعام 2012، وكذلك القانون رقم 3 لسنة 2018، لم تأخذ هذه القوانين بعين الاعتبار السكان الذين يعيشون دون سكن لائق. وفشلت القوانين من ناحية أخرى في مراعاة حقيقة أن العديد من هؤلاء الناس لا طريقة لديهم لتوثيق لملكية منازلهم. وهنا تكمن المخاطر: لا يمكن للنازحين أو اللاجئين الدفاع عن ممتلكاتهم. وذلك لأن ملكيتهم، أولاً، غير مدرجة رسمياً في السجل العقاري؛ وثانياً، تطلبت هذه القوانين اتخاذ الناس لإجراءات لا يمكن للنازحين أو اللاجئين القيام بها.كما يخشى هؤلاء الناس أيضاً على أمنهم [في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا] ما يعني أنهم لا يمكنهم العودة والدفاع عن ملكية منازلهم. ما يوفر فرصة للنظام للاستيلاء على هذه الممتلكات، وربما حتى إحداث تغيير ديموغرافي.

يرى التقرير أن السكن غير الرسمي هو أحد أكثر القضايا المتعلقة بالحرب في سوريا تعقيداً. هل يمكنك التحدث أكثر عن هذه النقطة؟

كانت هذه المشكلة معقدة حتى قبل الصراع، وكانت صعبة الحل. نجد القضية اليوم قضية فقدان حقوق. إذ لا تحمي قوانين العقارات في سوريا حقوق السكان. بل تحمي حقوق من تم إدراج ممتلكاتهم في السجل العقاري، لكن حقوق من يعيشون في العشوائيات غير مسجلة. واليوم، إذا رغب الناس في العودة إلى أحيائهم لن تكون المنازل التي اعتادوا العيش فيها موجودة. ربما تم تدميرها، أو يعيش فيها أناس آخرون.

من ناحية أخرى، يستخدم النظام السوري إدارات الدولة وقوانينها كأدوات ووسيلة للانتقام من معارضيه وليس كوسيلة لتحقيق العدالة.