سؤال وجواب: نوف ناصر الدين، شريكة مؤسسة ومديرة مشاركة في مركز التنمية والتعاون عبر الأوطان

بعد ما يقارب العقد من الحرب في سوريا، لا تزال العودة إلى الوطن تشكل خطراً على اللاجئين، فهناك مخاطر من احتمال الاعتقال والاختفاء والصراع الدائر.

تقول الدكتورة نوف ناصر الدين، الشريكة المؤسسة والمديرة المشاركة لمركز التنمية والتعاون عبر الأوطان، إن قضايا الجندر وكيفية تقاطعها مع حقوق الملكية بقيَت بعيدة عن المناقشة.

شاركت ناصر الدين في تأليف تقرير شامل نُشر الشهر الماضي من قبل مؤسسة سوا للتنمية والمعونة ومعهد فريدريش إيبرت، حول اللاجئات السوريات في لبنان، والعوامل التي تعقّد العودة المحتملة إلى الوطن في سوريا. كانت إحدى النتائج الرئيسة: إن إمكانية استحواذ المرأة المحدود نسبياً على وثائق حقوق الملكية؛ مثل سندات ملكية المنازل والأراضي الزراعية في سوريا؛ تلعب دوراً في قراراتهن بالبقاء في لبنان، على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة في معظم الأحيان.

هل يمكن لغياب حقوق الملكية  أن يمنعهن من العودة مع قيام النساء ببناء حياة جديدة لأنفسهن في لبنان خلال سنوات من فرارهن من الوطن؟ على الرغم من أن مثل هذه القضايا بعيدة كل البعد عن كونها العوامل الوحيدة المؤثرة، إلا أنها لا تزال مهمة في صنع القرار لدى العديد من النساء، كما تقول ناصر الدين.

"إذا لم يكن لديهن أي شيء يعدن إليه، فلماذا سيرغبن بالعودة؟"

بدا واضحاً من التقرير أن العديد من النساء اللواتي تمت مقابلتهن لم يكن لديهن فهم واضح لحقوق الملكية الخاصة بهن وكيف يمكن لوجود وثائق هذه الحقوق لديهن - أو من ثَمّ عدم وجودها - أن يؤثر على عودة مفترضة إلى الوطن في سوريا. هل يمكنك التحدث أكثر عن الحلقة المفقودة هنا بالضبط؟

في ظل الأنظمة البطريركية، لا تستحوذ بعض النساء على حقوق الملكية بسبب قضايا الإرث. كما أنهن لا يستطعن الحصول على معلومات حول هذا الموضوع. فهن لا يعرفن ما إذا كان بإمكانهن العودة إلى سوريا والمطالبة بأرضهن أم لا، أو ما إذا كان يمكنهن العودة لاحقاً إلى لبنان. لذلك، هناك سوء فهم أو سوء وعيٍ بين النساء.

ثانيًا، لأن بعض النساء لا يطالبن فعليًا بميراثهن لأسباب معينة، بما في ذلك الثقافة والتقاليد والطبقة الاجتماعية. تعتقد نساء الطبقة العاملة أو النساء القادمات من أماكن فقيرة أحيانًا أنه ليس من حقهن المطالبة برأسمالهن الموروث. لذلك ليس لديهن مدخل للوصول إلى المعلومات حول هذا الأمر. أظهرت البيانات أيضًا أن الحالة الاجتماعية يمكن أن تكون عاملاً محدداً ما إذا كانت المرأة ستطلب ميراثها أم لا. النساء غير المتزوجات أو اللواتي ليس لديهن أطفال هن أكثر عرضة للتخلّي عن حقوقهن إلى إخوتهن الذين لديهم أسر وهم آباء.

وعند النظر إلى المجتمعات البطريركية، تعتبر هذه القضايا في الغالب قضايا رجال، أو جزءاً من المجال "العام" ، حيث تكون النساء جزءاً من المجال" الخاص".

يجب إجراء المزيد من الأبحاث حول هذا الموضوع. ولكن من خلال البيانات المتوفرة، اعتقدت أن من الضروري حقاً أن ننتبّع الأمر، لأن قضية العودة برمتها ليست بهذه البساطة. إنها ليست مجرد مسألة ما إذا كانت المرأة تريد العودة أو البقاء حيث هي. هناك معوّقات تمنع عودة النساء، وهناك قضايا تدفعهنّ للبقاء في لبنان.

بعض وثائق الملكية هذه موجودة ضمن نظام الدولة نفسه، حيث قد لا تتمكن النساء من الوصول إليها. بالإضافة إلى أن معظم هذه المنازل ليست مسجلة بأسمائهن الخاصة، بل بأسماء أزواجهن أو آبائهن أو إخوتهن. لذلك لا يمكن الوصول إلى الوثائق المطلوبة.

حتى في أفضل الحالات، ما هي الخيارات المتاحة أمام النساء العائدات، كالأرامل على سبيل المثال، اللواتي يرغبن في إثبات ملكية عائلاتهن للممتلكات المسجلة تحت أسماء أفراد الأسرة الذكور؟

بصراحة، لست متأكدة فعلاً من هذا الأمر. لكنك تتذكر أن لبنان دولة شديدة العنصرية. لذا تعتقد الكثيرات من هؤلاء النساء اللاتي يحملن تصاريح إقامة أنهن إذا ذهبن إلى سوريا، فسوف لن تتمكنّ من العودة إلى لبنان. من خلال مناقشاتي مع أشخاص آخرين يعملون على هذه المسائل، بعض النساء لا تعرف أن بإمكانهن العودة إلى لبنان حتى لو ذهبن إلى سوريا. هذا النوع من المعلومات مفقود حقاً. لا تقدّم الدول والحكومات المضيفة معلومات للاجئين؛ وأعتقد أن هذا يتمّ عن قصد؛ إنهم لا يقدمون لهم معلومات عن حقوقهم - هذا النقص في المعلومات هو شكل من أشكال التحكم والسلطة التي تمارسها الدول على اللاجئين.

لا أستطيع أن أجيب مباشرة على سؤالك، ولكن إثبات الملكية داخل الدولة صعب للغاية بسبب النظام البطريركي، وبسبب نظام الدولة ومعاملته مع النساء. عندما نفكر في وضع اللاجئين ووضع النساء لا يمكننا التفكير في بنية واحدة فقط من بنى الاضطهاد. يجب أن نفكر في بنى الاضطهاد المتعددة، الطبقية، البطريركية، وأنظمة الدولة التي تمارس الكثير من الضغوط على النساء بشأن قرار البقاء في لبنان. القضية لا تواجه مباشرة. الأشياء مرتبطة ببعضها، ولا يمكنك فصل الأنظمة بعضها عن بعض.

يبدو أن أصل العديد من النساء اللواتي تمت مقابلتهن من مناطق سورية تخضع الآن لسيطرة الحكومة. ما مدى ارتباط عجزهنّ الكامن عن العودة إلى ديارهن بقضايا حقوق الملكية مقابل عوامل أخرى موجودة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة؟ مثل إجراءات إعادة توزيع المناطق المختلفة، الأمر الذي قد يهدد وجود منازلهن.

إجراء التقاطعات أمر مهم عندما ننظر في هذه القضايا. لا يمكننا القول إن قضيةً أهم من الأخرى. هذا ما كنت أحاول قوله في التقرير: لا توجد إجابة محددة.

سأعطي مثالاً: عن امرأة تنحدر من عائلة من الطبقة المتوسطة أو من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة في سوريا - عادة هؤلاء النساء المنفردات أكثر ثراءً من النساء اللائي ينتمين إلى أسر من الطبقة العاملة. ربما تكون العودة إلى سوريا، في رأيها أكثر منطقية لأنها تمتلك رأس المال بالفعل. لذلك فإن الطبقة موضوع يؤثر في هذا الأمر.

هناك تقاطع بين الطبقة والجندر. قد يكون للنساء من عائلات الشريحة العليا للطبقة المتوسطة بعض الخصائص في أسماء أسرهنّ. لذا فإن فكرة العودة لديهنّ أكثر جدوى من عائلات الطبقة العاملة.

لذلك ليست لدي إجابة محددة هنا. لا يمكننا التفكير في هذا بطريقة منفردة فقط، أو حتى مزدوجة.

ويجب أن تتذكر أن الكثير من هذه المنازل محتلة حالياً، ويتم أخذها من قبل الدولة أو احتلالها من قبل النازحين داخلياً. عاد الكثير من العائلات وأخبروا أقاربهم الذين بقوا في لبنان أن منازلهم لم تعد منازلهم، لأنها احتُلت من قبل نازحين. الديموغرافيا بمجملها تغيرت.

لا يمكننا التفكير فقط في العائلات والتقاليد المتعلقة بالجندر، الأمر يتعلق أيضاً بنظام الدولة بذاته. يجب أن نفكر في كيفية تأثير الشرعية والقوانين داخل الدولة أيضاً. أنا على ثقة من أن الكثير من الرجال أيضاً لا يستطيعون العودة إلى ممتلكاتهم.

هناك بنية كاملة من الاضطهاد تؤثر على هذه المواضيع، لذلك يجب علينا دائماً ربط النقاط ببعضها البعض، والتفكير في كيفية عمل ديناميكيات النوع الاجتماعي والبطريركية التي لا تعمل في الفراغ، وكيف تتأثر ببنى أخرى.

ذكرتِ في التقرير أن عدم الوصول إلى الميراث الأسري كان أحد العوامل الرئيسية التي تمنع النساء من التفكير في العودة إلى سوريا. هل يمكنك شرح المزيد عن سبب ذلك بالضبط؟

أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل العديد من النساء لا يرغبن في العودة إلى سوريا هو استقلالهن الاقتصادي - إذا كنّ يعملن و/ أو يملكن فعاليات اقتصادية، إذا كان لديهنّ وظائف. استطاعت الكثير من اللاجئات اللواتي فررن من سوريا وهنّ مقيمات الآن في لبنان أو تركيا أو الأردن أن يصبحن ناشطات اقتصادياً. الكثير من هؤلاء النساء لا يرغبن في العودة، لأنهنّ عندما يرجعنَ، سوف يفقدنَ أعمالهنَّ و/ أو أنشطتهنَّ الاقتصادية.

لذلك سوف يعجبن النساء بهذا التغيير الجديد عندما يتم تمكينهنّ اقتصادياً. هنّ مستقلات. إذا فقدن ذلك، وإذا لم يكن لديهن أي شيء يعدن إليه ، فلماذا يعدن أساساً؟ يجب أن نفكر فيما إذا كان هنالك لديهنّ أية موارد مادية للعودة إليها ، لإعالة أنفسهن.

من الأشياء التي ذكرتها في التقرير أن العديد من الرجال أرادوا العودة إلى سوريا لأنهم لا يملكون وظائف. قاومت النساء ذلك لأنهنّ كنّ يعملنّ. الموارد المادية من بين الأسباب التي تجعل المرأة ترغب في البقاء في لبنان. لذا، إذا لم يكن لديهن ما يرثنه في الوطن، فلماذا يرغبن بالعودة؟

هكذا تختلف ديناميات النوع الاجتماعي. عندما تفر عائلات من بلدانها، تكون النساء عادة أكثر قدرة على العثور على عمل والمشاركة في الأنشطة التي تدرّ مردوداً. يبقى الرجال في المنزل، وغالباً ما يُنظر إليهم أيضاً على أنهم يمثلون تهديدًا اجتماعياً للبلد الذي يقيمون فيه. يمكن للمرأة المناورة في قلب هذه الأنظمة بسهولة أكبر. لذلك هناك تحول في ديناميات السلطة وديناميات النوع الاجتماعي. تجد النساء أنفسهن مسؤولات عن الأسرة، ويجدن أنفسهن معيلات. لذلك وبالطبع، لا يرغبن بفقدان هذه القوة بطريقة ما.

لا بدّ من القيام بمزيد من البحوث. عندما تلقيت البيانات، التقطت هذه المشكلة لأنني وجدت أنها مهمة. ولكنها لم تكن موضوعاً تم التركيز عليه في الأسئلة. التفكير في حقوق الملكية ورأس المال والنساء أمر مهم.