تريند: هدم مخالفات البناء

تصاعدت وتيرة هدم مخالفات البناء في الشهر الأخير لعام 2020 بصورة غير مسبوقة، واتخذت شكل حملة منظمة شملت العديد من المحافظات انطلاقاً من محافظة حماة، قبل أن تتوسع لتشمل ريف دمشق وصولاً إلى القنيطرة والسويداء وديرالزور. حتى أن مجالس المحافظات استنفرت خلال فترة الأعياد، وواصلت هدم المخالفات في ليلة رأس السنة، تنفيذاً لما وصفته مواقع إعلامية موالية بأنه "أوامر مشددة من السلطة السياسية العليا".

 

الحملة ترافقت مع إقالة محافظ ريف دمشق علاء إبراهيم، وتوقيف العديد من رؤساء البلديات. وأُحيل المكتب التنفيذي لضاحية قدسيا بريف دمشق إلى القضاء، وتمّ إعفاء رؤساء المكاتب الفنية التابعة للمجالس البلدية في مدن التل والكسوة والنبك، وإحالة رؤساء مجالس تلك المدن إلى مديرية الرقابة الداخلية التابعة لمحافظة ريف دمشق للتحقيق. كما تمت إحالة رئيس مجلس بلدية زبدين في ريف دمشق للرقابة الداخلية.

وأعفت المحافظة رؤساء مجالس بلديات زملكا، وضهرة عرطوز، والحسينية ومنين والحفير ووادي بردى وجرمانا وضاحية يوسف العظمة والمليحة والغزلانية، وأحالت عدداً منهم ومن أعضاء المجالس البلدية إلى النيابة العامة. وغالباً ما وجهت للموقوفين والمعفيين تهماً تتعلق بالتقصير في قمع المخالفات وعدم تطبيق أحكام المرسوم 40 لعام 2012 الخاص بهدم المخالفات.

وقالت وسائل إعلامية موالية نقلاً عن جهات رسمية إن الحملة جاءت لتطبيق القوانين والمراسيم ذات الصلة، مؤكدة إن تجار البناء وموظفين فاسدين متواطئين معهم، يقفون وراء المخالفات المستهدفة.

وليس واضحاً لحد اللحظة سبب إطلاق هذه الحملة في هذا التوقيت، رغم المرونة التي بات يبديها النظام مؤخراً بالسماح لسكان بعض المناطق المدمرة بالعودة إليها مع السماح فقط لهم بترميم العقارات المتضررة جزئياً. ويصعب إيجاد رابط بين إطلاق حملة هدم المخالفات الأخيرة وأي حدث اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي راهن، من نتائج قانون قيصر أو تفشي كوفيد-19 أو انعكاسات الأزمة المالية اللبنانية.  

ولذا، قد يكون جائزاً الافتراض بأن حملة هدم العقارات الحالية غير المسبوقة ليست مصممة لمكافحة المخالفات بحد ذاتها لمنع تشوه النسيج العمراني ومكافحة الفساد، بل تمثّل استراتيجية جديدة للنظام مصممة لاحتكار قطاع العقارات بعدما انكمش دور كثير من القطاعات الإنتاجية الأخرى خلال السنوات الماضية. وقد يكون ضبط سوق العقارات واحتكاره، عبر حصره بمشاريع إعادة الإعمار في مناطق التنظيم، أو من خلال مشاريع السكن الاجتماعي التي تشرف عليها وزارة الأشغال العامة والإسكان. وعدا ذلك، يعتبر مخالفاً يستوجب الهدم، حتى اشعار آخر.

التراجع المستمر في قيمة الليرة السورية وارتفاع معدل التضخم وزيادة أسعار مواد البناء، كانت من التحديات الاقتصادية التي ولدت طلباً متزايداً على الاستثمار الآمن مثل الأراضي والممتلكات، ما تسبب بارتفاع عام في أسعار العقارات خاصة تلك المرخصة في المناطق المنظمة. وترافق ذلك مع تعقيد الإجراءات البيروقراطية للحصول على تراخيص البناء في المناطق المنظمة. وإذ يبدو ذلك كوسيلة يعتمدها الموظفون النافذون في المجالس البلدية والمحافظات لتحصيل عمولات غير قانونية، فإنها قد تعكس أيضاً سياسة غير معلنة للحد من قدرة الأفراد على إنشاء أبنية مرخصة، مقابل التسهيلات المقدمة للوسطاء من المطورين العقاريين وشركات البناء في إقامة مشاريع سكنية كبيرة تحت عنوان إعادة الإعمار، والتي تحددها مراسيم التنظيم والقوانين المثيرة للجدل 66\2012 و10\2018. 

التأخر في إصدار المخططات التنظيمية الجديدة، خاصة في المناطق التي تعرضت للتدمير في ريف دمشق، أدى إلى اعتبار كل ما يبنى فيها حالياً، مخالفاً يستوجب الهدم. حتى أن الحملة الراهنة ترافقت مع تشدد السلطات البلدية في رفض معاملات تسوية المخالفات التي أتاحها القانون 40\2012. 

وقد ازدادت مخالفات البناء، خلال السنوات القليلة الماضية بسبب الضغط المتعاظم للاحتياجات السكنية، في ظل الدمار الشديد الذي لحق بالكثير من المناطق خاصة في ريف دمشق، وبسبب منع السلطات عودة النازحين داخلياً إلى بعض المناطق لاعتبارات تنظيمية أو ديموغرافية. كما شكّل منع الترميم للمقيمين في المناطق المدمرة أحد المسببات الإضافية لنمو ظاهرة البناء المخالف. وساهمت تلك العوامل بشدة في تنامي سوق العقارات المخالفة نظراً للاحتياجات السكانية المرتفعة وسط قدرة شرائية منخفضة لشرائح واسعة من السكان. أي أن البناء المخالف شكّل حلاً نموذجياً لأصحاب الدخل الثابت الذين انهارت قيمة مدخراتهم خلال السنوات الماضية.